الشـيخ رائـد صـلاح والنائب أبو طير ... بين فتـاوي التحـريـم والشـعـب الصامـد
انشـغلـت وسـائل الإعـلام خـلال الأسـبـوعين المـاضيين بـين منتصـر لـدعـوة شـيخ الأزهـر لعمـوم المسلمين لزيـارة القـدس وأهلهـا الصامدين انتصاراً لصمـودهـم ودعمـاً لمعنوياتهـم في مواجهـة الاحـتلال ، ورسـالـة للمحـتـل تقول له إنه يحـرث هبـاء ويزرع هبـاء ولن يحصد إلا الهباء فوعـد السماء هو الباقي ووعـد بلفـور هو الزائل كما زالت قبلـه وعود التتـار والفرنجة ... وبين منتصر لفتـوى من الشـيخ القرضاوي باسـم المؤتمـر العالمي لعلماء المسلمين ( الاسـم المهـذب لتحالـف القيادات المؤثرة في جماعة الإخـوان المسلمين مع بعض شـيوخ توافقـت مصالح بلدانهم مع مصالح هـذه القيادات ) بتحريم زيارة القدس وأهلهـا وتبارى المنتصرون لكل طـرف بتقديم الحجج والأسانيد الشرعية وغير الشرعية ... سياسية كانت أم نفسية !!!
وفي خضـم هـذا السـجـال كـان الـمشهـد الـذي تعالـت فيـه ضغـوط وإجراءات الاحـتلال لإبعـاد الشـيخ محمـد أبو طير وزملائه الثلاث ... ثـم جـاء دخـول الشـيخ رائـد صــلاح إلى سـجن الرملة لتنفيـذ حكـم جائر ... وتسريـب أخبـار الـنيّـة المبيتـة لسـلطـات الاحـتـلال لإبعـاد أكثر من مئـة آخـرين من ناشطين مقدسيين من علماء وأئمـة وكـوادر سياسية واجتماعية !!!
هـذا السـجـال وهـذا المشـهـد أعـاد إلى ذاكرتي أنـا الـلاجيء الفلسطيني حالنـا وسـلوك أشقاؤنا العـرب والمسلمين في الأيام والسنون الأولى للنكبـة ... كيـف نظـروا إلينـا نحن المهجّرين اللاجئين ... وكيف نظروا لأهلنـا الذين لم يغادروا بيوتهم ووقعوا تحت مالم يصفه لسان من عسف وعربدة الحاكم العسكري الصهيوني ... وكيف نظـر أباؤنا وأمهاتنا جميعاً إلى أنفسـهـم وإلينا ...
وبعيداً عن ذكريات طعن البعض في كرامتنا الوطنية فقـد كانـت نظـرات الإخوة والأشقاء إلينا لا تختلـف كثيراً عن الذي نـراه ونسمعه اليوم حول حصار غـزة والحاجة لقوافل المساعدات الإنسانية ... وكانـت بعض تلك المساعدات من النوعية التي لم تخلو من الفساد في حينه كفسـاد بعض المساعدات الذي فضحتـه قنـاة الجزيـرة منـذ أيـام وتوقفـت فجـأة عن متابعته حين اكتشفت أنها تورطت في كشف خيوط ستفضـح بعضاً ممن لا يُراد فضحهـم !!!
وكانـت نظرات أباؤنا وأمهاتنـا إلى أنفسـهم وإلينا نظـرات الكاظم للغيظ الناقل للسـر وللوصية مع كل كسرة خبز نُحـتت من محجـر ، ومع كل قطرة حليب تسربت من ثـدي كـل أم إلى رضيعهـا !!!
مـرت الأيام والسـنون ثقيلـة ورغـم الـتحلـّق حـول المذيـاع انتظـاراً لبقايا أمـل في الإخـوة والأشـقاء قـد تعيـد اللاجئ أو تـُحرر الذين لم يغادروا من سياط وعسف الحاكم العسكري ... أيام وسـنون لم تخلو من همهمـات حتى كان صـوت ذلك الأذان لفجـر ذلك اليوم ونـداؤه العظيم ... يوم الخلاص من الوهـم والوهن ... يوم التثبيت لما أريد له أن لا يثبـت ... يوم الفاتـح من 1965 ...
عنـد سـماع الآذان لفجـر ذلـك اليوم كـان الشـيخ رائـد صـلاح طفـلاً وجـد نفسـه وعائلتـه وكل من لم يغادروا أرضهـم محاصرين بحصارين ... حصـار الاحـتلال وحكمـه العسكري ، وحصـار الإخـوة والأشـقـاء الذين نظروا إليهـم بذات النظرة للإحتلال ، ووجـد نفسـه يتنقل بهوية غير الهوية الأولى لأبويه ، ويومهـا كان الشيخ النائب محمـد أبوطير صبيـاً مـُراهقـاً ولكنه حفـظ سـراً من أبوين قالا له إن هويتهم نـُزعـت قبل عـام من ولادته واستبدلت بهوية أخرى لها اسـم آخـر ... وكان جهاد كظم الغيظ في نفوسهم أثقل وطأة من كل ما يكابدونه هذه الأيام ...
كـان أصحـاب الآذان ليوم الخـلاص ( فتـح ومنظـة التحرير ) هـم الوحيدون الذين بادروا وفي وقـت مبكـر بالتـواصـل واختراق حصار الإخوة والأشقاء على أهلنا الذين لم يغادروا أرضهـم فانتعش أملهـم وأملنـا بأن مـا تفرّق قهراً يمكن أن يلتئم ، وأن الهوية التي غيبوها يمكن استعادتها ... وتـم استعادتها وإن جزئياً لبعضهـم .
واليوم وبعـد هـذه السنون من ذلك اليـوم للأذان المجيد هـا هـو الطفـل الذي حوصر صـار علمـاً يتبرك به ويمجـده الـذين دعـوا لحصـاره وحصـار أهلـه اشتباهـاً ... وهـا هـو الصبي صـار شـيخـاً علمـاً ولـم يـعـد يـُخفي سـره وسـر هويتـه ... هـا هـو يقـف ويعلنهـا على رؤوس الأشهـاد ... إنـه اليـوم نائـب لهوية يفخر ليس باستعادتها فقط ؛ بل وأنه يحمل أمانة تمثيـلها !!!
هـذا السـرد لـذاكرة الأيام كـان إجابـة عـن سـؤال طـرحـه سـجال التحليل والتحريم لزيارة القدس وأهل القدس وأهـل كل بيـت أو بقايا لبيـت على أي بقعة من أرض فلسطين ... مـاذا لو جارينـا دعـوات الحصـار على من لم يغادروا أرضهـم إثـر النكبـة ولم نتواصل معهم وأبقيناهم في دائرة الشبهـة والاشتباه التي سادت في حينه ؟؟؟ هـل كنـا سـنـرى هـذا الشـيخ رائـد صـلاح وإخوانـه الواقفين درعـاً للأقصى ؟؟؟ وهـل كنـا سـنرى هـذه الحنين العظيمـة حنين الزعبي بهـذا الشـمـوخ والعنفـوان تصفـع غطرسـة المحتلين ... وهـل كنـا سـنرى هـذا الطيبي ، وهـذا البركـة ، والصانـع وهـذا ... وهـذا ... وهـؤلاء جميعـاً ؟؟؟ هـل كـنـّا سـنرى هـذا الشـيخ النائـب أبو طير وإخوانـه المعتصمين الآن ويجثمـون كابوسـاً على صـدر الاحـتـلال ؟؟؟
لـو لـم نتـواصـل معهـم سـراً كمـا البدايـات وعلنـا بعـدهـا بقليـل ... لـكان الأشـقاء من أصحـاب دعـاوي الحصـار يقـولون الآن وربمـا كنـا سنقـول معهـم : هنـاك في الجليل والنقـب وحيفـا ... كــــان شـعـب فلسـطيني ... لكنهـم وبالتـواصـل مـع أهلهـم وأبنـاء أمتهـم يقفـون الآن شـامخين ولسـانهـم واحـد يقـول ... هنـا كـنّـا وهنـا باقـون وهنـا سـنبقى صـامدين مرابطين ... ، وأخـشى أن تـؤدي فـتـوى الشـيخ القرضـاوي بنـا إلى يـوم نقـول فيـه إن بقي اسـم لفلسـطين وبقي من يذكـرهـا : هنـاك على الأرض التي كانـت تـُدعى فلسـطين كــــان شـعـب فلسـطيني صـمـد وجاهـد ... ، ويومهـا مـا قيمـة كـــان إن لـم يكـن في المكـان من يحمـل إرثـه وذاكرتـه وحـاضـره ومستتقبلـه !!!
عجـائـب :
في الجـرائـم وأمـام القضـاء يـُعـامـل المحـرّض على الجريمة ومدبـرها والمتستر عليها والمساند لهـا نفس المعاملـة لمرتكـب الجريمـة ... فلمـاذا اسـتسـهـل شـيخنـا القرضـاوي مصافحة المدبر والمتستر والمساند للمـُحتلين المجرمين وأخـذ التأشـيرات من سـفاراتهـم وعقـد مؤتمراتـه في عواصمهـم التي مـا زالـت دمـاء المسلمين تنزف بسـلاحهـا وبقـرار منهـا ... ، وإن استعصى على شـيخنـا القرضـاوي أن يذهـب بنفسـه وأن يتدبـر السـبل بالـنيّـة الحسـنـة ... فـلمـاذا لا يـُبقي البـاب مـواربـاً لـمـن أراد من أصحـاب النـوايـا الحسـنـة لمصافحـة ودعـم الضحيـة الواقعـة تحـت نير الاحـتـلال والتضامن معهـا ومـع القـدس طالمـا أدخـل هـو ومـن نـاصـره في أسـباب فتـواه الـنيـّـة السـيئـة لـمـن أرادوا ونـادوا بزيـارة الضحيـة في بيـت المقـدس .